خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 4 من المحرم 1448هـ الموافق 6/19/ 2026م
وَقَفَاتٌ مَعَ بِدَايَةِ الْعَامِ الْهِجْرِيِّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ، مُجْرِي اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَمُجَدِّدِ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الشَّهْرَ المُحَرَّمَ فَاتِحَةَ شُهُورِ العَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الأَنَامِ، وَبَدْرُ التَّمَامِ، وَمِسْكُ الخِتَامِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الكِرَامِ، وَصَحْبِهِ البَرَرَةِ الأَعْلَامِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مَا تَعَاقَبَ النُّورُ وَالظَّلَامُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَهِيَ أَرْبَحُ المَكَاسِبِ، وَأَجْزَلُ المَوَاهِبِ، وَأَسْمَى المَطَالِبِ؛ { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [النور: 52] ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ:
تَعِيشُ الأُمَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ هَذِهِ الأَيَّامَ إِشْرَاقَةَ سَنَةٍ هِجْرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، بَعْدَ أَنْ أَفَلَتْ شَمْسُ عَامٍ مَضَى بِأَتْرَاحٍ وَأَفْرَاحٍ عَدِيدَةٍ، غَادَرَ وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَى أَعْمَالِنَا، وَيَحْمِلُ مَعَهُ صَحَائِفَ أَخْبَارِنَا، فَمَا أَسْرَعَ مُرُورَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَتَصَرُّمَ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ!! وَلَكِنَّ المُوَفَّقَ -رَعَاكُمُ اللهُ- مَنْ أَخَذَ مِنْ حَوَادِثِهَا الدُّرُوسَ وَالعِبَرَ، وَاسْتَلْهَمَ مِنْ وَقَائِعِهَا العِظَاتِ وَالنُّذُرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } [القمر: 4].
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَقَعَتْ هِجْرَةُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ، وَخِيرَةِ الأَصْفِيَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّتِي أَضَاءَتْ بِنُورِهَا أَلْوَانَ المَهَابَةِ وَالجَمَالِ، وَأَوْضَحَتْ فِي طَيَّاتِهَا صُوَرَ العَظَمَةِ وَالجَلَالِ؛ حَتَّى غَدَتْ كَنْزًا نَبَوِيًّا ثَمِينًا، وَمِنْهَاجًا عَمَلِيًّا رَصِينًا، وَمَنْهَلًا تَارِيخِيًّا عَظِيمًا، يُعَزِّزُ فِي الأُمَّةِ السُّؤْدُدَ وَالمَهَابَةَ، وَيُلْهِمُ فِي أَجْيَالِهَا التَّوْفِيقَ لِلْإِصَابَةِ.
وَاليَوْمَ نَسْتَحْضِرُ مَعَكُمْ حَادِثَةَ الهِجْرَةِ الغَرَّاءِ، وَمَا تَخَلَّلَهَا مِنْ مَوَاقِفِ البَذْلِ وَالعَطَاءِ، وَالتَّضْحِيَةِ وَالفِدَاءِ؛ لِنَسْتَقِيَ مِنْهَا المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِلصَّبْرِ وَالتَّعَاوُنِ وَالوَفَاءِ. فَبَعْدَ أَنْ أَتَمَّ رَسُولُنَا الأَمِينُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُو قَوْمَهُ بِحِكْمَةٍ وَجَسَارَةٍ، مُنَوِّعًا خِطَابَهُ بِالنِّذَارَةِ وَالبِشَارَةِ، يَغْشَى مَجَالِسَهُمْ، وَيَأْتِي نَوَادِيَهُمْ، غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا وَاجَهَهُ مِنْ شِدَّةٍ وَعَنَاءٍ، وَتَنَوُّعِ أَسَالِيبِ المَكْرِ وَالإِغْوَاءِ، وَالتَّطَاوُلِ عَلَيْهِ بِالسُّخْرِيَةِ وَالإِيذَاءِ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الأَمْرُ أَنْ تَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ، وَتَمَالَؤُوا بِالسِّلَاحِ حَوْلَ بَيْتِهِ، فَأَنْجَى اللهُ خَلِيلَهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَرَدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ؛ {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
فَلَمَّا اسْتَحْكَمَ هَذَا البَلَاءُ، وَاشْتَدَّ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ العَنَاءُ، أَذِنَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُشَرَّفَةِ؛ لِيُقِيمَ فِيهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيِ المُؤْمِنِينَ، وَيَكُونَ فِي مَأْمَنٍ مِنْ تَرَبُّصِ المُشْرِكِينَ، وَيَنْشُرَ دِينَهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لَهُ رَبُّ العَالَمِينَ. فَكَانَتْ هِجْرَتُهُ بَارِقَةَ الأَمَلِ، وَفَاتِحَةَ النَّصْرِ، وَخَرِيطَةَ عَوْدَةِ الصَّحَابَةِ المُهَاجِرِينَ إِلَى مَكَّةَ فَاتِحِينَ ظَافِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85]. فَأَعَزَّ اللهُ بِهِجْرَتِهِ الإِسْلَامَ، وَانْقَضَى عَهْدٌ مِنَ الشَّقَاءِ وَالآلَامِ، وَكَانَتِ الهِجْرَةُ فَيْصَلًا بَيْنَ أَنْوَارِ الحَقِّ وَوَحْشَةِ الشِّرْكِ وَالظَّلَامِ، وَدَالَتْ بَعْدَهَا الدَّوْلَةُ لِلْإِسْلَامِ؛ {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ:
إِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي حَادِثَةِ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الهِدَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالمُعْجِزَاتِ الكَوْنِيَّةِ؛ لَيُدْرِكُ جَلِيًّا أَنَّ العِزَّةَ وَالتَّمْكِينَ لَا يَتَأَتَّيَانِ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ وَاليَقِينِ، وَالهِجْرَةِ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَالْتِزَامِ هَدْيِ رَسُولِهِ الأَمِينِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50].
فَالهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةٌ بَدَنِيَّةٌ؛ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ إِلَى بِلَادِ الإِسْلَامِ، وَذَلِكَ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ عِبَادَةِ الرَّبِّ المَلِكِ العَلَّامِ، وَتَعَذُّرِ إِقَامَةِ الشَّعَائِرِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ، فَيَضْطَرُّ المُؤْمِنُ حِينَئِذٍ لِلْهِجْرَةِ فِرَارًا بِدِينِهِ، وَحِفَاظًا عَلَى إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100].
وَهِجْرَةٌ قَلْبِيَّةٌ، وَتَكُونُ إِلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ بِتَوْحِيدِهِ، وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، وَالبُعْدِ عَنْ مَعَاصِيهِ وَمُسْخِطَاتِهِ، وَالْتِزَامِ شَرَائِعِهِ وَوَاجِبَاتِهِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ»، [أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما].
وَهَذِهِ الهِجْرَةُ أَسَاسٌ فِي صِحَّةِ الإِيمَانِ وَسَلَامَةِ نَوَاتِهِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى المُسْلِمِ طَوَالَ حَيَاتِهِ، لَا يَتْرُكُهَا إِلَى حِينِ مَمَاتِهِ. وَلِهَذَا عَظُمَ شَأْنُ الهِجْرَةِ فِي نُفُوسِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَاجْتَهَدُوا فِي إِظْهَارِ فَضْلِهَا وَإِبْرَازِ حُكْمِهَا عَلَى الأَنَامِ، فَجَعَلُوهَا المَرْجِعَ فِي التَّأْرِيخِ لِبِدَايَةِ كُلِّ عَامٍ؛ وَالتَّوْقِيتَ المُعْتَمَدَ لِحِسَابِ الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ؛ اعْتِزَازًا بِتَارِيخِ الأُمَّةِ وَمَجْدِ حَضَارَتِهَا، وَاسْتِرْجَاعًا لِكِفَاحِهَا وَشَرَفِ قَضِيَّتِهَا، وَتَرْسِيخًا لِاسْتِقْلَالِهَا وَعَدَمِ تَبَعِيَّتِهَا. فَجَدِّدُوا -عِبَادَ اللهِ- فِي بِدَايَةِ هَذَا العَامِ تَوْبَتَكُمْ، وَتَزَوَّدُوا مِنَ الصَّالِحَاتِ فِي الهِجْرَةِ إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَبْشِرُوا بِالعَاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، وَالسَّعَادَةِ الأَكِيدَةِ، وَالغَنَائِمِ العَدِيدَةِ. فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالحَقِّ؛ مَا اسْتَقَامَ حَالُ المُسْلِمِ إِلَّا بِقِيَامِهِ بِالدِّينِ، وَلَا نَالَ العِزَّةَ وَالكَرَامَةَ إِلَّا بِرُجُوعِهِ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَسَيْرِهِ عَلَى مِنْهَاجِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ. يَقُولُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبِ العِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ» [أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ، إِنَّكَ خَيْرُ مَسْؤُولٍ، وَأَكْرَمُ مَأْمُولٍ. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلَى صَلَاحِ الحَالِ، وَحُسْنِ العَوَاقِبِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ عَلَى أَمْرِهِ غَالِبٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا وَسَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المُجْتَبَى بِأَشْرَفِ المَنَاقِبِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ المُرْتَقِينَ لِأَعْلَى المَنَازِلِ وَالمَرَاتِبِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ سَبَبُ نَصْرِكُمْ، وَعِصْمَةُ أَمْرِكُمْ، وَتَاجُ عِزِّكُمْ، وَرَمْزُ قُوَّتِكُمْ.
عِبَادَ اللهِ المُؤْمِنِينَ:
وَإِنَّ مِنَ الوَقَائِعِ الَّتِي نَسْتَحْضِرُهَا فِي بِدَايَةِ العَامِ، وَنَسْتَذْكِرُ دُرُوسَهَا البَلِيغَةَ عَلَى الدَّوَامِ؛ نُصْرَةَ اللهِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَانْتِقَامَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ. إِنَّهُ الحَدَثُ العَظِيمُ الجَلَلُ، الخَالِدُ عَلَى مَرِّ الأَعْصَارِ وَتَعَاقُبِ الدُّوَلِ؛ حِينَمَا أَظْهَرَ اللهُ رَسُولَهُ العَظِيمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ الكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَغْرَقَ الطَّاغِيَةَ فِرْعَوْنَ، وَدَحَرَ جَيْشَهُ، وَنَجَّى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفَلَقَ لَهُمُ البَحْرَ؛ فَبَعْدَ أَنْ كَانُوا مُسْتَعْبَدِينَ مُسْتَضْعَفِينَ، أُعْقِبُوا بِالظَّفَرِ وَالأَمَانِ وَالتَّمْكِينِ؛ لِنَعْلَمَ أَنَّ التَّسَلُّطَ وَالأَذَى وَالظُّلْمَ، مَهْمَا اشْتَدَّ وَطَالَ، فَإِنَّ نُصْرَةَ اللهِ لِأَوْلِيَائِهِ هِيَ العَاقِبَةُ وَالمَآلُ، وَيَا لَهَا مِنْ عِبْرَةٍ لِكُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِ الطُّغَاةِ الظَّالِمِينَ، بِأَنَّ وَعِيدَ اللهِ سَيَلْحَقُهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. فَوَاقِعَةُ الهِجْرَةِ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ تُعَدَّانِ مِنْ أَيَّامِ النَّصْرِ الخَالِدَةِ، أَلَا فَلْتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُ أَهْلِ الإِيمَانِ، وَلْيَنْزَجِرِ الطُّغَاةُ وَدُعَاةُ البَاطِلِ عَنْ غَيِّهِمْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ؛ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].
أيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
وَمِنْ أَعْمَالِ شَهْرِ اللهِ الْمُحرَّمِ: استِحْبَابُ الْإِكْثَارِ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمِ» [أخرَجَهُ مُسْلِمٌ]. وَلَا سِيَّمَا يَوْمِ الْعَاشِرِ، فَصِيَامُهُ مُكفِّرٌ لِخَطَايَا عَامٍ كَامِلٍ غَابِرٍ، فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التِي قَبلَه» [أخرَجَهُ مُسْلِمٌ]. وعزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَوْمِ يَوْمٍ قَبْلَهِ مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَاسْتِزَادَةً مِنَ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَئِنْ بَقِـيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [أخرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا].
فَاسْتَجِيبُوا -أَيُّهَا المُوفَّقُونَ- لِدَعْوَةِ نبيِّـكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَادِرُوا بِصَومِ هَذَيْنِ الْيَوْمَينِ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ رَبِّـكُمْ، فَيَا لَهُ مِنْ عَمَلٍ قَلِيلٍ، رُتِّبَ عَلَيْهِ ثَوَابٌ جَزِيلٌ. فَالْكَيِّسُ مَنِ اسْتَغَلَّ الْمَوَاسِمَ بِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَبَدَأَ عَامَهُ الْجَدِيدَ بِصَالِحِ الْقُرُبَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَالْفَوزِ بمَعَالِي الدَّرَجَاتِ.
هَذَا، وَاعْلَمُوا –رَحَمِكَمُ اللهُ- أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ أَجْرًا؛ كَثْرَةَ صَلَاتِكُمْ وَسَلَامِكُمْ عَلَى أَفْضَلِ وَلَدِ آدَمَ ذِكْرًا وَقَدْرًا، صَاحِبِ الْآيَاتِ وَالْبَيِّناتِ، وَالشَّمَائِلِ الْبَاهِرَاتِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ تَعَالَى قَوْلًا كَرِيمًا: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا ارْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالضَّرَّاءَ وَالْبَأْسَاءَ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا النِّعَمَ، وَادْفَعْ عَنَّا النِّقَمَ، وَزَكِّ نُفُوسَنَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ احْفَظِ الْكُوَيْتَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَثَبِّتِ الْأَرْضَ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة